الآن
الرئيسية / منوعات / الحديقة التي عادت مقبرة !

الحديقة التي عادت مقبرة !

كتب نجاتي طيارة

الحديقة، التي تطل نافذة بيتنا وشرفته على أشجار
الكينا وبعض أشجار الأكاسيا النادرة المتبقية في حمص فيها، بعد مجزرة أشجار الغوطة
الشهيرة! وهي الحديقة التي لا أحب اسمها الرسمي ( 16 تشرين)، والتي تحول جامع الدروبي
القديم في زاويتها الشمالية الشرقية إلى أحد أجمل جوامع حمص الجديدة، وعلى نفقة آل
“الدروبي” الكرام ، كما يفصل شارع الميدان بينها وبين المركز الثقافي، وحلويات
أبو اللبن فرع 2، ويمتد غربها حي المحطة .

هذه الحديقة التي كانت مقبرة باب هود سابقاً،
وأشرفت بنفسي وبحماسة ، قبل حوالي عشرين سنة ،على نقل رفات جدي وجدتي وباقي أقربائي
الذين تمكنت من معرفة قبورهم إلى المقبرة الجديدة في تل النصر ، وذلك ضد موجة شعبوية
عارضت تحويل المقبرة إلى حديقة بحجة حرمة الأموات
ومكانة بعضهم، التي صارت في مقام الأولياء،
فعملت على توقيع عرائض وتوسلت التهييج والاتصال بالمسؤولين!. وكنت أقول رداً عليها:
الحي أبقى من الميت، واستشهد بـ (خير القبور الدّرس) و أننا نؤمن بالروح لا بالجسد،
الذي هو فانٍ مهما تجبّر وتوهم البقاء وصفقت له حاشية إلى الأبد!

هذه الحديقة التي أصبحت أجمل حدائق حمص -على صغرها-
وضمت مؤخراً ملعباً للأطفال، وكوخاً للطيور، كان بينها طووايس، طالما لاعبنا أجملهم
أنا وحفيدتي “ماريا ونوس” خلال زياراتها الخاطفة مع والدتها ابنتي “سمية”،
وكانت وهي في عمر الأربع سنوات تشدني وتقول: جدو ..عا .. التاووس !.

هذه الحديقة التي كانت ملاذي في صباحات ربيع حمص
وعصريات الشتاء، والتي طالما كنت ألجأ إلى ظل أشجار الفلفل والكينا الضخمة فيها أوقات
قطع الكهرباء المتكرر، حين تتوقف المراوح والمكيفات في عز تموز وآب اللهاب!.

هذه الحديقة التي كنت أفترش عشبها الأخضر المديد،
وأحب ملامسته بقدمي العارية، كما كنت أفاجئ فيها مراقبيّ من رجال الأمن المكلفين بمرافقتي
على مدار الساعة وطوال سنوات شهدها بعض أهل البلد، فأجلس على المقعد بجانبه حيث لا
مكان آخر باقٍ له وسط الزحام، وألاحقه بحديثي باحثاً عن الإنسان والمواطن في كيانه،
والذي لا بد من بقاء بعض سماته، على الرغم من طابع وظيفته الأمنية ! .

هذه الحديقة علمت أنها تحولت إلى ثكنة عسكرية
مقطعة بالحواجز والجدران وغرف الإسمنت الرمادية الجاهزة، وأنها امتلأت بكافة صنوف أسلحة
المشاة، وربما ببعض العربات المدرعة والدبابات أيضاً !. وأن عمارات عديدة حولها قد
تم تفريغها ونهبها للعرض والبيع في سوق السنّة، ومنها بيتي بطبيعة الحال! ومن ثم تحولت
إلى معسكرات للضباط والجنود الأشاوس، وعناصر جيش الدفاع الوطني السوري، لا الإسرائيلي!
كما علمت أن لا أحد في حمص يجرؤ أو يسمح له بالاقتراب منها !

هذه
الحديقة عادت إذن مقبرة! بل صارت معسكراً لإنتاج المقابر!

فمن يملك معرفة أخرى، جديدة ومختلفة عنها أتمنى
عليه أن يزودني بها، وليت الأمر يرفق بصورة ما، لعله يسمح لي ببعض الحلم! هل ذلك بكثير
علينا، ربما ؟ !!

شاهد أيضاً

النظام يقرّر إزالة 90% من حواجز دمشق

يعتزم النظام السوري، إزالة معظم الحواجز العسكرية والأمنية داخل العاصمة السورية دمشق وفي محيطها، وذلك …

النظام يعد بتسريع الأنترنت “أربع أضعاف”

وعد النظام السوري، بزيادة سرعة شبكة الانترنت في سوريا، بمعدّل أربع أضعاف زيادةً عن السرعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

six − two =