الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / الجيش الحر.. وضرورة العودة إلى الثورة

الجيش الحر.. وضرورة العودة إلى الثورة

رانيا
مصطفى

ظلت كتائبُ الجيش الحر ذاتَ توجّهٍ وطني عام، غير طائفي، وغير فئوي، رغم
كل التعقيدات التي أدت إلى انحرافاتٍ عن الثورة. جزءٌ من أسباب تلك المشكلات،
يتعلق بارتباط قادة المجالس العسكرية بالمال السياسي والمعارضة، الائتلاف والمجلس
خاصة؛ وجزءٌ آخر يتعلق بتشابك العلاقات مع الكتائب غير المنضوية تحت الجيش الحر،
حيث يجد المقاتلون سهولة في تغيير الانتساب لكتائب ذات توجهات إيديولوجية مختلفة، متواجدة
في مناطقهم. وكذلك هناك أسباب تتعلق بالمنشأ الاجتماعي للجيش الحر أدت إلى
انحرافات كثيرة؛ فعلينا ألا ننسى المنبت الطبقي لكتائب الحر، فهي مشكّلةٌ محلياً
وأهلياً، من أبناء المناطق المهمّشة والمقهورة، والتي ثارت وتعرضت للعنف. هذا
التهميش والقهر شكّل عُقداً لدى المقاتلين، ورغباتٍ بالانتقام؛ فبدأت ظواهرُ سلبيةٌ
تُرَى في سلوكهم، تشابه انتهاكات قوات النظام وشبيحته؛ بدءاً بأفعال السرقة التي
ظهرت في أماكن مختلفة (مخيم اليرموك والحجر الأسود وغيرها…)، وكذلك ظهرت رغبة في
السلطة والحكم، جعلت الكتائب في بعض المناطق تتفرغ للتحكم بالأهالي، رغم كل ما
يقاسونه من قتل وتجويع؛ في حي الوعر بحمص، تحاول الكتائب فرض سطوتها على السكان،
رغم ضعفها، حيث يبدو أن النظام تركها دون رغبة في الاقتحام، وفي الوقت نفسه هو
يمطر الوعر بالقذائف والصواريخ، ويحاصرها، بحجة وجود تلك الكتائب فيها.

كذلك دفعت عقَدُ الاضطهاد
أفراداً من الجيش الحر إلى الانشقاق والانضواء تحت لواء الكتائب الإسلامية، التي
تريد إقامة خلافة إسلامية “واهمة”، فقَبِل أولئك بعودة الاستبداد
بإيديولوجية دينية، ليس لقناعة جوهرية منهم، بل لرغبة في أن يكونوا، وباسم الدين،
هم الحاكمين، بعد أن كانوا محكومين.

إنّ افتقاد الثورة إلى الحامل السياسي هو سبب تفشي كل ذلك الضياع
والانحرافات عن مسارها. تتحمل المعارضة مسؤولية عجزها عن تشكيل الحامل السياسي،
فمعظم تشكيلاتها لم تكن معنيةً بمشكلات الثورة مطلقاً، بل كثيراً ما ساهم أفراد
منها بتلك الانحرافات، عبر شراء الولاءات، وعبر زرع أوهام عن إمكانية تدخل المجتمع
الدولي لدعم الثورة، وما حصل ويحصل هو العكس.

ازدادت كتائب الجيش الحر قوّةً، وتسلُّحت مما تغنمه من النظام، وما تتلقاه
من التبرعات القليلة؛ مما مكنها من السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، والاحتفاظ
بها، رغم تفككها، وقلة سلاحها، ورغم تعاظم دور المال السياسي، الذي تُشتَرى به
ولاءات بعض قادتها. تقدم الجيش الحر بتسارعٍ مطلعَ العام المنصرم، حتى بات المشهد
أنّ توحيد الكتائب في ريف دمشق وحدها، كافٍ لدخول دمشق، وبالتالي إسقاط النظام، أو
إجبار الدول العظمى على تسريع حل سياسي، وبشروط لصالح الثورة، أكثرَ منها لصالح
النظام. هنا تصاعد التدخل الدولي والإقليمي لمنعِ حدوث ذلك! فمن جهة زادت مشاركة
حزب الله وإيران وحكومة المالكي في دعم النظام، عبر إرسال مقاتلين وخبرات عسكرية
إلى سورية، ومن جهة أخرى فُتِحت الحدودُ السورية كلُّها، وربما بتنسيق مع النظام،
أمام المقاتلين الأجانب، لدعم جبهة النصرة و تنظيم دولة داعش، والتي وُجِدت لملء
فراغ السلطة في المناطق المحررة، وليس لقتال النظام، وكذلك للاقتتال مع الجيش الحر
وبقية الكتائب. فضلاً عن دعم كتائبَ إسلامية أخرى، تريد دولة الخلافة، من قبل دول
إقليمية، والتي شكلت مؤخراً الجبهة الإسلامية التي وحدت عدة ألوية إسلامية، لكنها
لا تعمل لصالح الثورة بما هي ثورة لكل السوريين، بل تعمل لإقامة حكم فئوي قروسطي،
وغير مستقل في قراره، لارتباطه بجهات تمويل سعودية.

دعْمُ الأصولية والطائفية، خصوصاً دولة داعش، مقابل ضرْبِ المكون
العسكري الأصلي للثورة، الجيش الحر، يخدم النظام وداعميه روسيا وإيران ولبنان
والعراق…، ويخدم الدول الإقليمية، ودول “أصدقاء سورية” التي تريد
إفشال الثورة عبر اختراقها. فقد استعاد النظام الاعتراف الدولي به، وبالتالي
الدعم، بعد تسليمه السلاح الاستراتيجي، إبان إلغاء الضربة العسكرية له بعد ارتكابه
مجزرة الكيماوي؛ وهو يريد إعادة سلطته في المناطق المحررة، مستغلاً النفور الشعبي
من الاستبداد الجديد الذي تمارسه الكتائب الإسلامية؛ وكذلك تمكن من استعادة مناطق
استراتيجية في الفترة الأخيرة(الذيابية وشبعا في ريف دمشق، والسفيرة في ريف حلب…).
ورغم أن الثورة استعادت نفسها مجدداً، وهي تحرز تقدماً في بعض الأماكن، لكن علينا
بالفعل أن ندق ناقوس الخطر، خطر استنقاع الصراع مدة طويلة، وتعاظم قوى الثورة
المضادة، واستمرار سقوط المزيد من الضحايا بالمجان، سواءً من طرف الثورة أو النظام،
وخطرِ استعادة النظام لمزيد من الأماكن الاستراتيجية.

إنقاذ الثورة يبدأ من نبذ المعارضة، وانتخاب مجالس محلية تتولى الحكم
في المناطق المحررة، وتنسق مع الجيش الحر، بحيث يوحد كتائبه، ويبتعد عن الولاءات
الخارجية، ويتفرّغ للقتال، لا للحكم، ويضبط الانفلاتات الأخلاقية، وبالتالي يقنع
قطاعاً كبيراً من المنضوين تحت الكتائب الإسلامية بالعودة إليه، ويتمكن من عزل الجهاديين،
وطرد المقاتلين الأجانب. تستحق تضحيات الشعب السوري إنقاذَ ثورته، قبل أن تصبح في
خبر كانَ.

شاهد أيضاً

“اتحاد علماء المسلمين” يطالب المجتمع الدولي بوقف معاناة المدنيين في درعا

طالب “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” المجتمع الدولي، بإيجاد حلٍ لما يحدث في درعا، مُعرباً عن …

باحث إسرائيلي: إسرائيل لن تسمح بإسقاط نظام الأسد

كشف باحث إسرائيلي، أن بلاده لن تسمح بإسقاط نظام الأسد كونه يحمي حدودها منذ عام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

fifteen − 7 =