الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / الثورة إذ تستغيث.. فأين اليسار؟

الثورة إذ تستغيث.. فأين اليسار؟

رانيا مصطفى
تعاني الثورة السورية الكثير من المشكلات، والتي تكاد تودي بها؛ وأكبر مشكلاتها هو عجزها، وبعد قرابة ثلاثة أعوام على اندلاعها، عن إيجاد حامل سياسي يعبر عنها ويمثلها، ويقوِّم أهدافها، ويمنع انحرافاتها. 
عجزت المعارضة التقليدية في هيئاتها ومجالسها المختلفة عن أخذ هذا الدور، بسبب اقتصار فهمها للثورة على المطالبة بديمقراطية ضعيفة توصلهم إلى الحكم؛ وارتأوا الوصول إليها عبر اللهاث وراء الدول العظمى والإقليمية والأمم المتحدة ومنظماتها الحقوقية، ومنذ البداية؛ طلباً لفرض حل سياسي وانتقال ديمقراطي للسلطة على النظام، وهو ما كان غير ممكن، أو طلباً لتدخل عسكري أو حظر جوي، أو دعم بالمال والسلاح؛ وكلُّ ذلك غير متوفر، كون المجتمع الدولي غير معني بالثورة وإنجاحها، ولا بالدماء التي تراق، بل هو معني بإنهاكها ثم تطويعها لمصالحه المتناحرة على سورية.
الثورة تحتاج إلى تمثيل نفسها، واستعادة زمام المبادرة من قوى الثورة المضادة، خصوصاً تلك الناتجة عن تعقيدات العمل المسلح، والتي باتت تبعيتها للجهات المموّلة تشكل خطراً على مستقبل الثورة، فهي لا تقاتل النظام، بقدر ما  تمارس القمع ضد الشعب الذي ثار، وباسم الدين، وتصادر منه حقه في تشكيل سلطته.
يستعيد الشعب سلطته في الثورة عبر تشكيل مجالسه المحلية المنتخبة شعبياً وديمقراطياً، والتي الشعب نفسه مسؤول عن محاسبتها وإقالتها حين تقصر؛ في حين تكون مهمة الكتائب القتال لا الحكم.
والثورة تحتاج إلى تصوّر للدولة المنشودة؛ أولاً لشكلها السياسي، الذي يعبر عن كيفية تمكين الشعب من المشاركة في الحكم، عبر ديمقراطية قوية واسعة، تمكنه أيضاً من ممارسة دوره في المراقبة والمحاسبة على أجهزة الدولة ومؤسساتها، عبر مجالس محلية ونقابات مهنية وعمالية… وثانياً تحتاج إلى تصور لنمط الدولة الاقتصادي، الذي يضمن بناء صناعة حديثة، وزراعة ممكننة، وتقديم كل وسائل الدعم لأجل ذلك، وسن القوانين التي تمنع رأس المال الخاص من الانصراف إلى الربح السريع عبر الاستثمار في القطاعات الهامشية، والتخلي عن دوره في الإنتاج. 
هذا ما سيرفع الدخل القومي، ويلغي التبعية الاقتصادية، وبالتالي التبعية السياسية، للدول الإمبريالية، ويقلل أخطار العولمة الاقتصادية وحرية السوق؛ وبالتالي يوفر فرص عمل كافية ودائمة تستوعب الجميع، ما دام الإنتاج ممكناً، ويوفر الدخل الكافي، ويمكن الدولة من تقديم المزيد من خدمات الرعاية الاجتماعية المجانية لمواطنيها.
والثورة تهدف إلى تحقيق الحريات الاجتماعية والدينية والفكرية، وحرية التظاهر والاعتصام، وحرية العمل السياسي وتشكيل الأحزاب.
الشعب الذي قام بثورته، وقدّم التضحيات الكبيرة، هو قادر على متابعة الثورة إلى أهدافها المنشودة تلك. ولكنه يحتاج إلى تنظيم نفسه، وتحديد أهدافه، واستراتيجيات تحقيقها، واستعادة استلام زمام المبادرة الثورية من جديد. لكنه يفتقد إلى آلية بناء الوعي السياسي، العلمي، والثوري، وأساليب النضال، ووضع استراتيجيات للعمل العسكري، وتصورات للمرحلة المقبلة؛ وهذا الدور منوط باليسار في الثورة. الثورة افتقدت إلى هذا اليسار، رغم مشاركة بارزة فيها لأفراد يساريين كثر، بل وحتى مجموعات صغيرة، منذ انطلاقتها الأولى، لكن دون القدرة على مراكمة الخبرة وتطوير للرؤية اليسارية. فأي يسار تحتاجه الثورة؟
يسار يدرك قيمة العمل الجماعي، بعيداً عن الأنانية وحب الظهور، ويعي أهمية مراكمة الخبرات الميدانية والسياسية، وأهمية نشر الوعي الثوري، الوعي الذي يحلل الواقع، ويعمل وفق المتاح، لكن بروح جماعية بعيداً عن المكاسب الشخصية والعمل المأجور؛ يسارٍ مستعد للتضحية، لكن ليس التضحية الفردية، التي لا تخلو من الأنانية، والتي تشابه في كثير من الأحيان الانتحار السياسي، بل التضحية في سبيل إنجاح العمل كفريق واحد، حيث تذوب الأنا في المجموع، في تكاتف بات ضرورياً لبناء القوة، ولمواجهة الضعف الناتج عن انتشار ثقافة الأنا والفردانية، والتي تقول بها الليبرالية ومجمل ثقافة العولمة الإمبريالية.
هذا ليس كلاماً رومانسياً؛ لكن الثقافة السائدة، وهي ثقافة السلطة وثقافة العولمة، قد رسخت قيم الفردانية، حتى بات الحديث في غير ذلك ضرباً من الأحلام. لكننا في حالة ثورة، والثورة بالضرورة تعني التغيير الجذري لكل المنظومة السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية… السائدة؛ وبالتالي هي تعني تغيير ثقافة السلطة، ثقافة الفساد والأنانية والوصولية. إذا لم تتمكن من كل ذلك فلن تنجح. اليسار هو المدرك لمعنى التغيير، وبالتالي هو من عليه امتلاك أدواته. ماذا عن اليسار المنخرط في الثورة؟
لن أناقش يسار السلطة، اليسار الممانع، يسار الأحزاب التقليدية التي تحالفت مع السلطة، وتربت على الخوف منها، وتطبعت بثقافتها الليبرالية، فهي تنتقد الانفتاح الاقتصادي للسلطة تجاه الغرب الإمبريالي، فيما تتبنى بنفسها انفتاحاً تجاه روسيا، الإمبريالية أيضاً، وبقية دول الشرق الآسيوي. اليسار المنخرط في الثورة بقيت محاولاته محدودة؛ فمواقف هؤلاء اليساريين مناصرة للثورة؛ أفراداً ومجموعات، ومشاركة فيها بأدوار عديدة، طبية، وإغاثية، وإعلامية، وحتى عسكرية؛ لكن كل ذلك هو في إطار العمل الفردي أو “الشللي”، وغير المنظم أو المتعاون، وكثيراً ما يحجم الأفراد اليساريون عن العمل السياسي الماركسي، ويفصلون أدوارهم تلك عن السياسة، وبالتالي عن العمل المنظم والهادف؛ وهنا تكمن مشكلة كبرى. كلّ ذلك ناتج عن عقد امتلكها ذلك اليسار من تجاربه مع الأحزاب الشيوعية التقليدية، والتي معظمه ينحدر منها، فضلاً عن سيطرة الثقافة الليبرالية بسهولة على كل الأوساط الثقافية واليسارية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي؛ تلك السهولة ذاتها هي ما دفع ذلك اليسار إلى الانتساب إلى الأحزاب الشيوعية منذ أواسط القرن الماضي وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث سيطرت الثقافة الشيوعية السوفييتية، لا الماركسية.
الثورة ستتجاوز كلَّ هؤلاء إن لم يدركوا أدوارهم الهامة فيها، رغم ما قدموا من نشاطات هامة فيها. ولا بُدّ أن تخلق من رحمها جيلاً يسارياً جديداً شاباً، ومختلفاً عن سابقه، ومتحرراً من عقده اليسارية. هذا يحتاج من الجيل الجديد العمل والاطلاع الجيد والتحلي بالعلم والمنهج الجدلي الماركسي، بنفس القدر الذي يتطلب منهم الانخراط في النشاط السياسي، وقيادة الحركة الثورية إلى أهدافها.

شاهد أيضاً

روسيا تطالب بإخراج “الخوذ البيضاء” من سوريا.. ودول غربية ترد عليها

طالبت روسيا، الدول الغربية بإخراج عناصر الدفاع المدني السوري، المعروفين باسم “الخوذ البيض” من إدلب …

صحيفة إسرائيلية: بشار الأسد احتضن تنظيم “داعش”

اعتبرت صحيفة “هارتس” الإسرائيلية، أن رئيس النظام السوري بشار الأسد، هو من احتضن تنظيم “داعش” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

9 + eleven =