الآن
الرئيسية / تحقيقات / التطرف.. الفايروس الذي اجتاح الثورة .. فهل ننقذ شبابنا

التطرف.. الفايروس الذي اجتاح الثورة .. فهل ننقذ شبابنا

صدى الشام – مصطفى سميسم

إن ما يميز مدينة بنش في محافظة إدلب عن غيرها من المدن والبلدات في
سورية أنها النموذج الأوضح للمدينة التي بدأت الثورة بتوجهات مدنية ديمقراطية
وأعطت أبهى الصور الحضارية عن الثورة السورية، ثم انقلبت مائة وثمانون درجة لتتحول
إلى مركز للتنظيمات المتشددة التي تطالب بدولة خلافة على نهج القاعدة، ولمعرفة
أسباب هذا التحول المخيف في توجهات مدينة بأكملها، زارت “صدى الشام”
مدينة بنش وكان التحقيق التالي:

“محمد الصادق”، الذي انحاز للثورة منذ يومها الأول في مدينة
بنش وشارك في معظم مظاهراتها، يقول: “كانت بنش أول مدينة سورية يتخلى النظام
الأسدي عن مسؤولياته اتجاهها، (لتعلن نفسها كمدينة محررة)، في ظل تخل تام عنها، من
قبل جميع قوى المعارضة وخاصة التمثيلية منها (أي المجلس الوطني آنذاك)، وتركها
تتدبر شؤونها بنفسها من خلال محاولات ارتجالية من ابنائها بعيدة عن العمل
المؤسساتي المنظم، ويضيف “الصادق”: “إن هذا الوضع ساهم في ظهور
الكثير من المفاعيل السلبية لغياب المؤسسات، سواء لناحية تدهور الحالة الأمنية أو
تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان، يضاف إليها القصف شبه اليومي الذي
تتعرض له من قبل الجيش الأسدي، الذي دمر جزءاً كبيراً منها”.

ويتابع “الصادق”: “في ظل هذه المعاناة اليومية لسكان
بنش، دخلت التنظيمات السلفية على خط الثورة في المدينة كقوى منظمة عسكرياً،
ومدعومة مالياً، في الوقت الذي كانت تعاني منه الفصائل الأخرى من ضعف التمويل وعدم
التنظيم”، ويرى الصادق أن “الوضع في المدينة وصل إلى حد أصبح فيه من يفكر بالانتماء لتنظيم مسلح لديه خيارين
لا ثالث لهما، إما كتيبة تفتقر لأبسط مقومات التنظيم ولا تتمتع بالدعم المالي وفي
حالات كثيرة تحتوي عناصر من الزعران، وإما تنظيم سلفي منظم يقدم كل مقومات
المجابهة، الأمر الذي يجعل الشخص الملتزم أخلاقياً ودينياً يفضل الخيار الثاني،
متغاضياً عن التفكير الإيديولوجي الإقصائي لدعاته”.

فيما يرى سامي .ح أن “التنظيمات السلفية دخلت المدينة ببرنامج اجتماعي بالإضافة إلى القوة العسكرية،
استطاع أن يقرأ احتياجات الناس وعمل على سدها”، مبيناً أن تلك التنظيمات قرأت
الاحتياجات الأمنية للناس، فشكلت محاكم شرعية أشعرت المواطن أن هناك جهة يمكن
اللجوء إليها في حال تعرض لانتهاك ما، وفي الجانب التنظيمي تصدت الكتائب السلفية
لتنظيم الدور أثناء الأزمات بطريقة مثالية، في الوقت الذي فشلت فيه الكتائب الأخرى
من لعب الدور ذاته، وفي الجانب الإنساني قدمت الخبز المجاني للنازحين والمحتاجين،
وذلك من خلال المال السياسي الذي كان بين أيديها، والذي تدفق عليها بشكل يفوق
الوصف، في حين لم يكن دعاة المدنية والديمقراطية يمتلكون من الوسائل لسد الفراغ
سوى الكلام، الذي يرى أنه سلعة لم تك لتنفع في ظرف كالظرف الذي مرت به المدينة!

ويشير سامي إلى نجاح التنظيمات السلفية في استقطاب كل قادة الرأي
العام في المدينة، والتي بدأت باستبدال إمام الجامع الكبير الذي تخرج منه المظاهرات
بأمير من جبهة النصرة، والذي تقبله المتظاهرون على أنه الإمام والخطيب الذي ارتقى
بخطابه لمستوى مطالبهم دون التنبه للإيديولوجيا التي كان يحملها، فقد حل مكان إمام
كان لا يجرؤ حتى على الدعوة لمظاهرة، فأتاهم هذا الخطيب بخطاب ناري تناسب مع نفسهم
الثوري، ولكنه راح يروّج رويداً رويداً للإيديولوجية القاعدية التي جاء من أجل
نشرها، ويتابع سامي: “كما عملت تلك التنظيمات السلفية على نشر أفكارها من
خلال مناشير وزعتها ضمن المظاهرات، ونجح بعضها باستقطاب إعلاميي التنسيقية ليشكلوا
مكتباً إعلامياً باسم بنش يروج لهم ولأفكارهم، وحتى صاحب السوزوكي الثورية بائع
الغاز البسيط كونه شكل ظاهرة إعلامية في الثورة، استطاعت تلك التنظيمات استقطابه
ليهتف باسمها”.

أما لؤي. ح، فيرى أن “بعض
الخلافات العائلية في المدينة، والتي تزامن حدوثها مع خروج السجناء السلفيين من
سجن صيدنايا، استطاع هؤلاء استغلالها في حرف المدينة بأكملها عن المسار المدني
الحضاري الذي كانت تسير عليه، إذ استطاعوا استقطاب الناس بقوة المال، واستغلوا ضعف
القوى المدنية وانشغالها بمشاكلها العائلية ليحكموا سيطرتهم على مدينة تعاني من
فراغ أمني أصلاً، مبيناً أن النظام ساهم بشكل كبير في تنمية نفوذ تلك الجماعات من
خلال ضرب قواعدهم الشعبية، بدلاً من ضرب مقارهم، وكان يروج لقوّتهم كثيراً في
إعلامه لدرجة تمكنوا من خلالها من كسب ولاء الكثير من الناس خوفاً لا قناعة، نظرا
للسمعة الكبيرة عن قوتهم الكبيرة وشدة بأسهم”.

وفي النهاية نرى أن تلك التنظيمات السلفية قد دخلت إلى بلدنا بأفكار
لا تتناسب لا مع الدين الذي تعلمناه، ولا مع الأعراف التي اعتدنا عليها، ولا مع
عاداتنا وتقاليدنا، ومع ذلك استطاعت التغلغل بمجتمعنا مستغلة حاجاته، ومستغلة
الفراغ الأمني والخدمي والمؤسساتي فيه،
الأمر الذي يجعلنا نجزم أن أي توجه نحو صناعة هياكل مؤسساتية ضمن أي مستوى
من المستويات، سواء كان خدمياً أو قضائياً أو أمنياً يتمكن من قراءة الاحتياجات
قراءة صحيحة، سيؤدي إلى إفراغ النسبة الأكبر من تلك التنظيمات من محتواها،
وبالتالي سيتمكن من إنقاذ قسم كبير من جيل الشباب (في المناطق التي شهدت تحولات
مماثلة)، من الذهاب نحو التطرف الذي يعد مشكلة المشاكل التي تهدد استقرار سورية
المستقبل .

شاهد أيضاً

نازحون في مدينة الضمير - صدى الشام

النظام يجبر نازحي الغوطة على العودة دون أدنى مقومات للحياة

صدحت مآذن المساجد في مدينة الضمير بمنطقة القلمون في ريف دمشق الشمالي الشرقي بنداء يطالب …

“الاتحاد الديمقراطي” من تشويه “القضية الكردية” إلى حضن النظام

لم تقف واشنطن مع حليفها “وحدات حماية الشعب الكردي” الجناح العسكري لـ”حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + five =