الآن
الرئيسية / تحقيقات / التسول مهنة المنكوبين في حلب

التسول مهنة المنكوبين في حلب

ليليا نحاس

يبدو الانتشار الكثيف للمتسولين في مدينة حلب
ظاهرة مخيفة، و يكاد لا يخلو حيٌ أو شارع في المدينة من المتسولين وطالبي المال،
ومن الملاحظ أن أعدادهم تتزايد يوماً بعد يوم في مرحلة تنعدم فيها الرقابة، ويغيب
من يُعنى بمكافحة الظاهرة ومعالجتها.

يتواجد المتسولون بكثرة في الأسواق أمام المحلات
التجارية والشوارع المزدحمة، كثرة المّارة في هذه الأماكن تجعلها ملائمة للحصول
على المال ومن أشهر الأمكنة التي يتواجد فيها المتسولون في حلب “الجميلية”
و”الجامعة” و”شارع النيل” والموكامبو وأمام أبواب الجوامع في
أوقات الصلاة.

البطالة وغلاء المعيشة والتشرّد أبرز أسباب التسول

هناك اختلاف كبير في الظروف التي يعيشها المتسولون
تختلف معها الأسباب التي تدفعهم للجوء إلى طلب المال من الغير، يرفض معظم
المتسولين إطلاق مصطلح التسوُّل على ما يقومون به ويطلبون اعتبارهم ذوي حاجة ومجبرين
على طلب المساعدة والمال.

يقول أبو
عبدو “أطلب المال لأني لا أمتلك عملاً، وليس لدي مدخول مادي، منزلنا تدمّر
بالكامل ولدي طفل عاجز بسبب الإصابة، ولو وجدت عملاً فلن أستطيع العمل بسبب كبر
سني وعدم قدرتي على التحمُّل”

لا يثق جميع الناس بحاجة المتسوّلين للمال
واضطرارهم لطلبه بطريقة ذليلة، يقول أحمد وهو صاحب أحد المحلات التجارية
:”أعرف عائلة بأكملها اتخذت من التسول مهنة لها، حالتهم المادية جيدة،
ويسكنون أحد أحياء حلب الراقية، التسول بالنسبة لهم مهنة وليس حاجة”

بينما يرى البعض أن التسوُّل هو نتيجة طبيعية
لقسوة الظروف والتشرد والوضع الاقتصادي المتردي يقول الأستاذ صالح :”هناك
أعداد كبيرة من الأطفال يتامى، أعداد كبيرة
من العائلات التي باتت بلا مأوى ولا معيل لها ، كل هؤلاء الناس قد لا يجدون أيَّ
عمل يمكن أن يقوموا به سوى التسوُّل، فيكون خيارهم الوحيد ليعيشوا لأنهم لا يتقنون
أعمالاً أخرى”.

كثرة المتسولين تجبر بعضهم على الابتكار

معظم المتسولين في حلب يتبعون الأساليب التقليدية
في طلب المال ، الشيوخ والنسوة يفترشون الأرض ينتظرون انتباهاً وعطفاً من المارة ليرموا لهم النقود أمامهم،
بعض الشيوخ يكتب عبارة أسى بجانبه كعبارة ( راح شقى عمري بالقصف ) وبعض النسوة
تحمل أطفالها ولا تتجاوز أعمار معظمهم السنة الواحدة لتكسب تعاطفاً أكبر، أما
الأطفال المتسولون فمعظمهم يلاحقون المارة في الشارع ويطلبون منهم المال بشكل
مباشر, جميع المتسولين يعملون في ساعات النهار يومياً و مهما بلغ سوء الطقس
كالأمطار و شدة البرد.

كثرة أعداد المتسولين وانخفاض فرصة كل منهم في
الحصول على المتبرعين دفع الكثير منهم لابتكار أساليب جديدة لأخذ المال ، كأن
يدعوا إصابتهم إصابة حرب ،هناك أيضاً عدد من السيدات المتسوِّلات تمسك علباً فارغة
من حليب الأطفال لتطلب ثمن الحليب، أم أحمد هي سيدة أربعينيةالعمر تقف بجانب باب إحدى الصيدليات، وتنتظر دخول المرضى إلى الصيدلية لتطلب منهم
شراء علبة دواء لها لتعود وتبيعها وتحصل على ثمنها من جديد، يقول الصيدلاني
عمر:”ظننت بدايةً أن آم أحمد مريضة فعلاً، لكن عندما علمت مصادفة أنها تسترد
ثمن الدواء من صيدلية أخرى أدركت أنها وسيلتها الخاصة في التسوُّل”.

للأطفال أيضا طرقهم المبتكرة بالتسول تقول سارة
” إحدى المرات أثناء مروري على الرصيف صادفت طفلاً ينام معترضاً أرض الرصيف
أمام المارة دون حراك، هرعت عدد من النسوة المارين لإمساكه ظانين أنه مصاب أو مغمى
عليه، لكن الطفل طلب مالاً حتى يتحرّك، ويعود للمنزل مدعياً أن والده لن يدخله
المنزل دون نقود”

غياب أية جهة مسؤولة أو مهتمة بتسول الأطفال

يعرض مئات الأطفال في حلب أنفسهم كل يوم لأخطار
التشرد والتسول في الشوارع دون أن يدركوا مخاطر الخطف أو الاستغلال، وتتفاوت آراء
الناس في المجتمع الحلبي في الظاهرة وتتفاوت معها أساليبهم في التعامل معها ،
فمنهم من يراها غير حضارية، ويجب مكافحتها تقول سلمى وهي طالبة جامعية “لا أتعاطف
مع المتسولين لأننا إن أعطيناهم المال نشجعهم على الاستمرار في التسول ”
وهناك من يطالب بتلبية احتياجاتهم ومعالجة الأسباب التي دفعتهم للتسول يقول هشام
وهو موظف حكومي “لو لم يكونوا بحاجة لما طلبوا المال، من المؤكد أن لديهم
كرامة مثلي ومثلك، لكن ظروفهم قاهرة، هناك مكتب تابع لمجلس محافظة حلب وهو مكتب
مكافحة التسول هو الآن فعال إدارياً في مناطق سيطرة النظام لكن على الأرض لا
يقومون بشيء بالرغم من أنه يتلقى الدعم من الكثير من المنظمات الإنسانية ومهمته
معالجة أسباب التسوُّل وتوجيه المتسولين لممارسة المهن “

في الوقت الذي يغيب فيه من يتحمل مسؤولية الظاهرة
بشكل مباشر أو يهتم بها يوجه الاختصاصيون الاجتماعيون إلى ضرورة إدراك المجتمع
لشدة سوء هذه الظاهرة التي تعكس حرماناً اجتماعياً واقتصادياً كبيراً يعاني من
هؤلاء المتسولين مما يزيد احتمال خلق مشاكل اجتماعية أكبر كالسرقة والإجرام
وغيرها، وواجبنا رغم فظاظة المرحلة المبادرة بمد يد العون للجمعيات الأهلية التي
تبدو الأقدر اليوم على مساعدة الفقراء والمُشرَّدين.

شاهد أيضاً

“القانون 10” نسخة لسرقة إسرائيل أملاك الفلسطينيين

ما تزال أصداء “القانون” الذي أصدره نظام الأسد تحت مسمى “المرسوم التشريعي رقم 10 لعام …

الطفل حسن دياب - انترنت

مجزرة الكيماوي: روسيا تكذب في لاهاي وتحتجز “الشهود” في دمشق

وفق ما جرت العادة في أروقة المجتمع الدولي خفت الصوت المنادي بعقاب المجرم بشار الأسد …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ten + six =