الآن
الرئيسية / محليات / صدى البلد / الاغتصاب… تداعياته وآلية التعامل مع ضحاياه جريمة لا يمحو الزمن آثارها.. والناجون منها معذّبون نفسياً

الاغتصاب… تداعياته وآلية التعامل مع ضحاياه جريمة لا يمحو الزمن آثارها.. والناجون منها معذّبون نفسياً

وردة مصطفى
الاغتصاب..أحد أنواع العنف الجنسي المُمارس ضدّ المرأة في كل المجتمعات، وعلى مرّ التاريخ، وهو في الوقت ذاته من أسوأ المخاطر التي قد تتعرّض لها المرأة في الحروب والنزاعات المسلّحة، لأنه أحد الأسلحة الخطيرة التي يُلجأ إليها المجرمون كوسيلة للتعذيب والإهانة لا للمرأة فقط، وإنما للرجل أيضاً. 
وعلى اعتبار أن المرأة رمزٌ للشرف والهوية، فهي عرضة لهذا النوع من العنف الجنسي أكثر من الرجل، من هنا أخذت القوانين الدولية على عاتقها حماية النساء، ولاسيما تلك التي تقتضي بضرورة حماية النساء زمن الحرب، فهناك أكثر من عشرين اتفاقية عالمية بهذا الشأن.
 وقد أكدت المادة27 من اتفاقية جنيف الرابعة الموقعة بتاريخ12/8/1949على وجوب حماية النساء بصفة خاصة ضدّ الاعتداء على شرفهن، ولاسيما ضدّ الاغتصاب، والإكراه على الدعارة، وكل هتك لحرمتهن.
كما دعا البروتوكول الإضافي المُلحق باتفاقيات جنيف إلى حماية النساء في المادة11 الفقرة 1 منه والتي تنصُّ على أنه يجب أن تكون النساءُ موضعَ احترامٍ خاصٍّ، وأن يتمتعن بالحماية، ولاسيما ضد الاغتصاب والإكراه على الدعارة، وضد أية صورة أخرى من صور خدش الحياء.
كما أقرت لجنة الأمم المتحدة للمرأة بتاريخ 15/3/2013 إعلاناً يدعو إلى إنهاء العنف ضد النساء وحمايتهن من التحرش الجنسي والاغتصاب. 
وسوريا التي تعيش نزاعاً مسلحاً منذ أكثر من عامين ونصف ليست استثناءً بهذا الخصوص، فقد وثّقت منظمات دولية تُعنى بحقوق الإنسان أكثر من3500 حالة اغتصاب منذ بدء الأزمة لنساء وفتيات سوريات، لا يتجاوز أعمارهن الحادية عشرة في بعض المناطق.
ومن المؤسف أن هذه الجرائم بالذات يصعبُ توثيقُها وتوصيفُها بدقّة، لما لها من خصوصية شديدة ومعقّدة، بحكم القيم والتقاليد المجتمعية السائدة والتي تأبى الخوض في هذه الموضوعات خوفاً على شرف العائلة من العار الذي سيلحق بها من جهة، ولأنه من جهة ثانية سيُعرقل مسيرة حياة الضحية لاحقاً، فتاة كانت أم متزوجة ولعدة أجيال قادمة، وجرائم الاغتصاب التي تعاني منه بعض النساء السوريات وخاصة النازحات منهنّ تتسم بالغموض والسرية رغم فضح وجودها وعلانيته في جميع  أنحاء العالم.
حماية دولية وهمية
 اعترافاً بأثر العنف الجنسي في النزاع على صون السلام والأمن، اعتمد “مجلس الأمن القرار1820” الذي يربط العنف الجنسي صراحةً بوصفه أداةً للحرب بقضايا المرأة والسلام والأمن. ويعزز “قرار مجلس الأمن1820القرار1325” ويبرز أن العنف الجنسي في حالات النزاع يشكل جريمة حرب، ويطالب أطراف النزاع المسلح بأن تتخذ على الفور التدابير الملائمة لحماية المدنيين من العنف الجنسي، بما في ذلك تدريب القوات، وإنفاذ تدابير تأديبية.
ويعد “القرار1888” متابعة “لقرار مجلس الأمن 1820″، وهو يكلف بعثات حفظ السلام بحماية المرأة والأطفال من العنف الجنسي أثناء النزاع المسلح، ويطلب إلى الأمين العام تعيين ممثل خاص معني بالعنف الجنسي في النزاعات المسلحة”مكتب الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالعنف الجنسي في النزاعات المسلحة”. 
لقد وثّقت منظمات دولية تُعنى بحقوق الإنسان أكثر من3500 حالة اغتصاب منذ بدء الأزمة لنساء وفتيات سوريات لا يتجاوز أعمارهن إحدى عشرة سنة في بعض المناطق.
 ووفقاً لتقارير أخرى، تواجه النساء السوريات اللواتي يهربن بعد الاعتداء الجنسي نقصاً في الخدمات الطبية والمشورة، إضافة إلى ظروف غير آمنة في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة، ناهيك بحالات حمل كثيرة ناتجة عن عمليات الاغتصاب، الأمر الذي يُفاقم المشكلة على الصُعد كافة، وقد ذكرت إحدى الطبيبات السوريات في دمشق ولادة لطفلة أم عمرها11 سنة بسبب اغتصابها.
من سوريا إلى جحيم من نوع آخر
كشف تحقيق للقناة الرابعة البريطانية عن تزايد اختطاف الأطفال السوريين واغتصابهم في مخيم الزعتري، وتعرُّض النساء والأطفال الإناث لخطر الاختطاف والاغتصاب في حال خرجن من الخيمة، وتحدثت السيدة هند عن قيام شبان أردنيين بتصيُّد الصغيرات من اللاجئات السوريات والتحرش بهن، ولا تنجو منهن حتى من لم تتجاوز عمرها 6 سنوات. 
 كما أكدت تعرُّض كثيرات للاختطاف والاغتصاب، فيما كثرت حالات الحمل لدى الفتيات الصغيرات.
وللأطفال وضع خاص وحساس في جميع الحالات حيث يؤكّد علماءُ النفس على أن الطفل في مرحلة من مراحله العمرية يبدأ بتثبيت الأشياء في ذاكرته، “الطفل لا يملك شيئاً غير الجسد، وإذا تم انتهاك هذا الجسد فهو انتهاك لكلّ شيء في حياته رغم أن المعنى يكون غامضاً والإرادة تكون منقوصة، لكن في عمر الأربع سنوات تبدأ ذاكرته بتثبيت الأشياء أي يستطيع أن يتذكر ما حدث معه في هذا العمر”.
وبالتالي تعيش النّساءُ وخصوصاً في المخيمات حالة من الخوف والرعب الشديد وخاصة الأرامل واليتامى ممن قتل معيلهم، ومن فرّ من جحيم القتال يواجه جحيماً أفظع.
خاسرة في كل الحالات
ولأن الضحية التي اغتصبت ستخسرُ أكثرَ ممّا ستربح لو تحدثت عن مأساتها فالقليل منهن تجد شجاعة في نفسها للحديث عن ما حصل لها، ولهذا تفضل الكثيرات حمل ‘العار’ معها والعيش في عزلة عن نفسها والعالم حولها.
 إنّ وضعَ النّزاعِ المسلّح والتشرُّد الذي تعيشه سوريا يعقد مسألة البحث عن ضحايا الاغتصاب، فالضحية تعاني من آثار الانتهاك نفسياً وجسدياً، كما وتعاني من رفض المجتمع لها، بالإضافة إلى ذلك تعاني من التشرد والعيش في مخيمات اللجوء مما يعني أنّها ستترددُ بالحديث عمّا قاسته.
الحالة النفسية للمغتصبة
تتعرض المغتصبة لمواجهة عنيفة مع شخص أو أكثر ترى في عيونهم الرغبة الحيوانية الجامحة، وتقع في لحظات بين أيديهم، وتكون فاقدة للقدرة على المواجهة وربما تُهدّد بشتى أنواع التهديد، وتتعرض لأشكال مختلفة من التعنيف.
إذاً: واجهت المغتصبة لحظات رعب زلزلت كيانها النفسي، وأحدثت تهتكات وشروخاً نفسية هائلة، وواجهت الموت، وانتهكت كرامتها وانتهك شرفها.
الآثار النفسية المباشرة للمغتصبة
تمرُّ بداية المغتصبة “بمرحلة الحدث” وتتمثل فيها حالة الصدمة النفسية والعصبية، حيث تكون المغتصبة بعد الجريمة مباشرة في حالة من التشوُّش والشرود والذُّهول، وربما لا تستطيع التحدث بشكل منتظم وإنما يصدر عنها كلمات متقطعة أو مبهمة. وحين تستعيد هدوءها بعض الشيء يساورها شعورٌ بالخجل والعار والإهانة والقلق، وأحياناً تنفجر غاضبة ثم تهدأ وأحياناً تدخل في نوبات من البكاء وربما تحاول الانتحار. وتنظر إلى من حولها بشك وتوجس. حين تعود لرشدها أكثر وأكثر ربما تبدأ في الشعور بالذنب، وتلوم نفسها على أنها تسببت في حدوث ما حدث، ونتيجة للاضطرابات الانفعالية العديدة التي تعيشها تكون المريضة في حالة إعياء شديد، وأرق وفقد الشهية للطعام، وعدم التركيز .
الآثار النفسية على المدى الطويل
تمرُّ المغتصبة بمرحلة الشفاء من عدة أسابيع إلى 4-6 سنوات، وهنا تعاني المغتصبة بما يسمى “كرب ما بعد الصدمة”، حيث تتكون لديها ذاكرة مرضية للحدث تؤثر في حياتها النفسية، حيث تعاودها صورة الحدث في أحلام اليقظة وفي أحلام النوم بشكل متكرر، وكلما رأت أو سمعت أو عايشت أي شيء يذكرها بالحدث فإنها تصاب بحالة من القلق الشديد والخوف وتسارع ضربات القلب والعرق، ولذلك فهي تحاول تفادي أي مؤثرات تذكرها بالحدث أو تمت له بصلة.
تعيش المغتصبة حالة من اضطراب العواطف والأحلام المخيفة.
التهيُّج لأبسط الأمور والخوف من البقاء وحيدة في البيت. 
زيادة احتمال استعمال الأدوية المهدئة والبدء في استعمال المخدرات. 
عدم الإحساس بالسعادة والخوف من المستقبل والإحساس بعدم وجود ما يمكن أن تعيش له.
“من الأهمية بمكان التأكيد هنا على أن الصدمة النفسية والعصبية الناتجة عن الاغتصاب ستبقى مدى الحياة ولا يمكن للمغتصبة أن تنسى هذه الصدمة الكبيرة والتي قد لا تمكن تجاوزها والتعايش معها”.
قد تعاني المغتصبة نوعاً من الاكتئاب المتوسّط أو الشّديد مصحوباً بأعراض قلق ووساوس مرضية، وهذا قد يعوقها عن ممارسة حياتها بشكل طبيعي. 
يؤثر الاغتصاب على رؤية المغتصبة للجنس الآخر وإحساسها بالكره الشديد للرجل وكأنه وحش كاسر، وهذا قد يؤثر هذا في قرارها بالزواج، وإذا تزوّجت قد تواجه مشكلات كثيرة .
فقدان المغتصبة ثقتها بنفسها واحترمها لذاتها.
الشعور بالإحباط والكآبة وإحساسها الدائم العجز.
عدم الشعور بالاطمئنان والسلام النفسي والعقلي، كما إنها تعاني اضطراب عام بالصحة النفسية.
الآثار الاجتماعية لجريمة الاغتصاب
قد تسهم حادثة الاغتصاب في تفكك أسرة المغتصبة، وقد يؤدّي في أحيان عدة إلى الطلاق.
في أحيان كثيرة تسوء، وتضطرب العلاقات بين أهل الزوج وأهل الزوجة.
عدم التمكّن من تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة نفسية واجتماعية متوازنة، ممّا يُهيّئ لجنوح بعضهم أحياناً.
ازدياد حدّة العنف الاجتماعي ضد المرأة المغتصبة.
قد تفقد المغتصبة رغبتها في العمل أو ممارسة الهوايات السابقة. 
الخجل من مخالطة الناس والجيران والأخوة والإحساس بالبعد عنهم وقد تصبح إرادتها للاستقرار بالعمل حتى الحياة معدومة.
ويترك العنف الجنسي تأثيراً مدمراً على التعليم، فهو يقوض قدرة الضحايا على التعلم، ويدفع الفتيات بعيداً عن المدارس بسبب انعدام الأمن والمخاوف المرتبطة بالعنف الجنسي.
الدعم النفسي والاجتماعي للمغتصبة
وهل تحتاج المغتصبة إلى تأهيل نفسي واجتماعي ؟ نعم، لأن صدمة الاغتصاب تعمل على عدم التكيف النفسي والاجتماعي للمغتصبة، لهذا فإنَّ تأهيلَ المغتصبة نفسياً واجتماعياً يعني مساعدتها وتمكينها من استعادة تكيًّفها من جديد إلى أن تحقق التكيف السويّ مع ذاتها وأسرتها ومجتمعها.
تقدم الرعاية العاجلة في اللحظات المبكرة لاكتشاف حالة الاغتصاب ، حين تظهر الضحية أو تكتشف، وهنا يستوجب الأمر إشعارها بالأمان وإحاطتها بكل وسائل الرعاية الصحية والنفسية وتجنب لومها أو تأنيبها أو الضغط عليها بأي شكل من الأشكال.
يجب تقديم الدعم الإيجابي، وأن تتجنّب الموقف القيمي تجاه المغتصبة، وأن نطمئنها على توفير فرص العلاج والرعاية وعلى إتاحة الفرصة لنيل حقها القانوني، كما أنه يتم إرشادها إلى المراكز التي تقوم برعايتها رعاية متكاملة.
بعد تجاوز المغتصبة للمرحلة الحادة في الأزمة، يجب تقديم الرعاية اللاحقة لها لمدة عام كامل على الأقل  وهذه المرحلة تحتاج لدور يقوم به متخصصون في رعاية مثل هذه الحالات كما تقوم به الأسرة بالتوازي وبالتعاون مع المتخصصين، لعلاج حالة “كرب ما بعد الصدمة” ومساعدة المغتصبة على العودة لممارسة حياتها الطبيعية بعد التئام جراحها النفسية .
تقوم الأسرة بمساعدة المغتصبة على العودة إلى أنشطتها وعلاقاتها الأسرية والاجتماعية الطبيعية في أقرب وقت ، والعودة إلى عملها وهواياتها واهتماماتها وأنشطتها الدينية. 
يجب إعطاء الفرصة للمغتصبة بالتحدّث عن تجربتها دون خوف أو خجل، وهي بذلك تُعيد معايشة الحدث في ظروف آمنة، وبالتالي تُعيد هضمه واستيعابه في منظومتها المعرفية بشكل أفضل، حتى تتخلّص شيئاً فشيئاً من الذاكرة الصدمية التي تكوّنت داخلها لحظة الحدث.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن القصاصَ العادلَ من الجاني يعطي راحة نفسية كبيرة للضحية ويساعد على التئام جراحها النفسية والاجتماعية، لكن في ظل النزاع المسلح الذي تعيشه سوريا والفوضى وغياب النظام والقانون يعد تحقيق العدالة صعب جداً، لذا يتم استبداله وتعويضه بالدعم النفسي والاجتماعي للمغتصبة.
إذا كانت شخصيةُ المغتصبةِ متماسكةً قبل الاغتصاب، وإذا لقيت دعماً كافياً بعده، فإنها قد تتعافى بشكل شبه كامل خلال عام من الحدث، وتعود لحياتها الطبيعية.
إنّ كثيراً من الآثار السلبية للاغتصاب يمكن تلافيها بتقديم الرعاية النفسية والاجتماعية المناسبة والسريعة للمغتصبة، وتشجيعها على أن تتنفّس عمّا بداخلها لأحد أقاربها المُحبّين والمُتفهّمين. والإرشاد والوعظ الديني قد يلعب دوراً مهماً في دعم المغتصبة ومساندتها روحياً.

شاهد أيضاً

الأردن أغلقت حدودها بوجه النازحين - وكالة يقين

إعلان تفاصيل بنود اتفاق درعا

أعلن كل من المعارضة والنظام السوري، مساء اليوم الجمعة، تفاصيل بنود اتفاق درعا، الذي توصلت …

آلاف النازحين في العراء - وكالة يقين

تأجيل مفاوضات درعا إلى الجمعة

قال مصدر في “الجيش السوري الحر” بدرعا، إن جولة المفاوضات الخامسة التي كان من المقرر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

eight + 10 =