الآن
الرئيسية / رأي / اعملْ كأنّ الأزمةَ تعيش أبداً

اعملْ كأنّ الأزمةَ تعيش أبداً

يقف (عفواً يجلس) من وُظِّفوا محللين ومحرمين سياسيين
أصحاب رأي أمام كاميرات التلفزة، ويتحدثون عن الحل القادم من عالم جنيف. من محاسن التسهيل
أن مكان المؤتمر قد تغيّر، ولكنه حافظ على اسمه المستمد من هذا المكان. وأعتقد بأن
هذا تمهيد بأنه لا ضير بأن يعقد في يوم ما في “قُم” تحت اسم جنيف مرفقة برقم
سبعة أو ثمانية… أو أكثر
..

نعم كثير من هؤلاء يقولون إنَ الحلّ قادمٌ لا محالة،
وروّجوا بعض الإشاعات الفعّالة التي تُبشر بالحل، أو تُعتبر مؤشرات عليه، ووُظف أشخاص
لهم حضور إعلامي من أجل الترويج لهذه البضاعة الجديدة.

ولم تكن أضواء
استوديوهات التلفزات الحافلة بالعرّافين وحدها المشاركة في الترويج لهذه البضاعة، بل
شاركت فيها أيضاً الأفلاك والفلكيون، وتحدثوا عن توحد بين جيش الأسد والجيش الحر لمحاربة
التطرف، وكل ما يُقدَّم من مؤشرات له هدف واحد هو “الحل قادم”.

الطريف بالأمر أن أحداً من أصحاب القرار لا يتحدّث
عن طبيعة هذا الحل، ويترك لضاربي المندل وفتاحي الفأل توقع ذلك الحل. هذه عينة فقط
لأنكم تعرفون ما يقال وتسمعونه أيضاً: “لقد انتصرت إيران، وفرضت حلّها، وجاء العالم
صاغراً إليها يستجديها”، بالمقابل: “سنذهب إلى جنيف من أجل تشكيل حكومة ذات
صلاحيات كاملة من دون الأسد” بقية التصريحات تُنسج على منوال هذين التصريحين اللذين
لا يختلفان عمّا كان يقال قبل شعار “الأسد أو نحرق البلد
“.

ولكن ماذا يوجد عن الأرض؟ على صعيد الجمعيات الإنسانية
العالمية مازالت المنظمات الإغاثية تطالب بمزيد من الدعم لتأمين غرف بيتونية للاجئين
السوريين، وإقامة أمكنة إيواء وتكثيف الجهود من أجل إطعام مزيد من أولئك اللاجئين

في سوريا مزيد من الاعتقالات، مزيد من براميل الموت،
مزيد من إعلانات النصر إضافة إلى إعلانات النظام بأنه سحق مزيداً ممّا يسميه الإرهاب،
وتطهير مزيد من القرى والبلدات والمدن، وبشائر بتطهير ما تبقى من مدن تقع تحت قبضة
الإرهابيين… الأهم من هذا هناك استمرار لحكم إيران المباشر لشرق المتوسط
.

في الساحة التركية التي هي الأقرب لسوريا، ومنها يمكن
رصد كلّ التحركات والمؤشرات؟ يقرع حزب الشعب الجمهوري المعارض طبول النصر في الحرب
التي دعمها على الجهاديين في سوريا ومصر، ويبشّر بأنه قادم إلى السلطة بعد فترة قصيرة،
وبعد أن يحقق انتصاره الساحق في الانتخابات البلدية مع مطلع عام 2014، سيضغط من أجل
انتخابات مبكرة يفوز فيها بأغلبية تمكّنه من تسلم دفّة الحكم من الرجعيين الذين يحكمون
البلد، ويدعمون الإرهاب الإسلامي.

وإذا كان هذا
الحزب لا يعد بنظامٍ سيسيٍّ أو أسديٍّ بشكل مباشر فهو لا يترك فرصة إلا ويبدي إعجابه
بالزعيمين الأكثر ديمقراطية في العالم السيسي والأسد، ويعتبر أن انتصارهما ليس انتصاراً
على الإرهاب فحسب، بل انتصاراً للديمقراطية الحديثة المثالية. نعم، أنا لا أمزح، ولا
أخترع، إن النظامين السوري والمصري الحاليين أصبحا مثار إعجاب كل من لا يستطيع الوصول
إلى السلطة بالطرق الشرعية عبر صناديق الاقتراع علمانيين كانوا أم إسلاميين، شيوعيين
كانوا أم فاشيين
.

وعلى صعيد السُّلطة التركية مازال القوى الأمنية تلاحق
مصادرَ دعم المتطرفين، وتحاول ضبط الحدود، وتُنشئ مُدنَ خيام جديدة، وتوسّع المدن القائمة
منها، وتجددها، وتعدّلُها، وتُحدّثها من أجل أن يستمرَّ الناس بعيشهم.

ويومياً تقوم
الجمعيات الخيرية وبعض منظمات المجتمع المدني في تركيا بجمع التبرعات للسوريين، ولم
تبقَ ناحية أو قرية تركية إلا، وساهمت بشاحنة مساعدات على الأقل من أجل تضميد جراح
السوريين بحسب ما يأتي في إعلانات تلك الجمعيات والمنظمات
.

الأهم من هذا أن سوريا تكاد تختفي من تصريحات المسؤولين
الأتراك، وحتى إن وزير الخارجية التركي في الاجتماع الذي عقده مع سفراء دول الاتحاد
الأوربي في الأسبوع الأخير تحدث عن الاتفاقيات الجديدة بين تركيا والاتحاد الأوربي
والتحولات الديمقراطية الجارية في تركيا، واكتفى بتأكيد دعمه للاتفاق بين دول خمسة
زائد واحد وإيران، ودعمه أيضاً للحل السياسي في سوريا، وكأن سوريا ليست ذاك الجرح النازف
بالنسبة لتركيا، بل هي دولة بعيدة جداً وفي عالم آخر
.

ألا تدلّ هذه المؤشرات على شيء واحد هو عدم وجود حل
في الأفق القريب أو البعيد؟

سيقول قائل: الحيطة واجب، وهم يستلهمون المقولة التي
تُنسَب لعلي ابن أبي طالب (رض) القائلة ‘اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك
كأنك تموت غدا’ وبهذا هم يعملون، وكأن الحلَّ غداً، ومن جهة أخرى يعملون كأن الأزمة
ستعيش أبداً… ولكن لابد من الردّ على هذا القائل، بالآتي: “ها هي عشرات المؤشرات
على عدم وجود حل، ولكن أين مؤشرات الحل سوى ذلك الكلام الدبلوماسي الذي لا طعم له ولا
لون ولا رائحة؟

من جهة أخرى إذا كانت إيران قد انتصرت في حربها التي
تخوضها بكلِّ قوتها في سوريا من أجل تثبيت المرحلة الثانية من إمبراطوريتها (المرحلة
الأولى كانت العراق وأفغانستان)، فلمَ الذهاب إلى جنيف؟ أليس المنتصر من يملي شروطه
ولا يتفاوض؟ ألم يقل السيناتور الأمريكي من المنامة قبل أقل من عشرة أيام بأن الولايات
المتحدة تريد أن يُنهك الطرفان؟ بالمناسبة، هذا أصدق تصريح أمريكي صدر منذ ثلاث سنوات
..

ما هو مقياس إنهاك الطرفين؟ ومن يحدّده؟

عبد القادر عبد اللي 

شاهد أيضاً

أليس في هذا البلد العريق رجل رشيد؟

في ردّه على المساعي التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع صادرات النفط الإيرانية، وتشديد الضغط …

الخذلان الأميركي للمعارضة السورية في الجنوب

تولدت لدى المعارضة السورية قناعة عامة أن النظام لن يجرؤ على التقدم إلى مناطق الجنوب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 + seven =