الآن
الرئيسية / محليات / صدى البلد / أطفال سوريا يبكــون دمــاً.. آليات التعامل مع الأطفال في ظل الأزمة السورية ومساندتهم نفسياً.

أطفال سوريا يبكــون دمــاً.. آليات التعامل مع الأطفال في ظل الأزمة السورية ومساندتهم نفسياً.

وردة مصطفى

دون أي ذنب وقبل أن يفهموا
معنى الموت، قُدر للكثير من الأطفال السوريين أن يواجهوه يومياً، وأن يكونوا ضحايا
القتل وشهوداً عليه وهو يخطف من حولهم، إن ما يتعرض له هؤلاء الأطفال يثير قلقاً
متزايداً حول مصيرهم في ظل دائرة العنف التي تعصف بالبلاد، هذا وتتصدر أنباء قتل
وجرح أطفال سورية نشرات الأخبار المحلية والعربية والعالمية، إضافة إلى أعداد
القتلى والجرحى والمختطفين المقلقة، فازداد الخوف من الآثار العميقة التي سيتركها
هذا النزاع في نفسية وسلوك الأطفال المستقبلي سواء أولئك الذين مازالوا يعيشون في
بيوتهم أو الذين اضطروا إلى النزوح أو اللجوء
.

وبمتابعة مجريات الأمور في سورية لا يبدو أن هذا
البلد-الذي لطالما تغنى الناس فيه بأنه واحة آمنة- سيكسر قاعدة أن الأطفال هم أكثر
من يدفعون فواتير باهظة الثمن جراء الحروب، سواء لفقدان حياتهم، أو تعذيب أرواحهم
بأمراض وندوب نفسية من الصعب البراء منها، هذا إن لم ترافقهم طوال سنين حياتهم
بسبب الأحداث المختلفة
التي يتعرضون لها
من قصف،
تهجير، قتل، اعتقالات، اشتباكات مسلحة….. و
ما
يظهرونه من ردود فعل مفاجئة إزاءها.

ردود فعل الأطفال

تختلف ردود أفعال كلاً
من الطفل والمراهق واستجاباته
حيال الأحداث الضاغطة تبعاً لعمره وبيئته والمساندة الأسرية والاجتماعية التي يتلقاها، ومهارات المواجهة التي طورها لنفسه، فقد تكون ردود أفعالهم مباشرة يمكن أن تلاحظ خلال أيام وتستمر عدداً من الأسابيع أو الأشهر، وقد تكون ردود أفعال غير مباشرة وممتدة يظهر تأثيرها بعد سنوات عدة خلال مراحل عمرية لاحقة وقد تأخذ طابعاً زمنياً.

ردود الأفعال الشائعة

كثرة التفكير في التجارب العنيفة، الشعور بالخوف
والقلق والتوتر، الشعور
بانعدام الأمان، الشعور بالمرض والآلام،
صعوبة
في النوم، ضعف التركيز والاهتمام، الغضب السريع،
عدم
الاستقرار، عدم الثقة في النفس والآخرين

الأطفال خاصة

كان هناك اعتقاد سائد بأن تعرض الطفل بشكل خاص لموقف ضاغط لا يترك أثره فيه لأنه سرعان ما ينسى حدوثه لكونه أكثر مرونة من الكبير، إلا أن واقع الحال يشير إلى خطأ هذا الاعتقاد فهو ليس أكثر مرونة من الراشد ولا ينسى أسرع منه، بل إن وسائل الدفاع اللازمة ومهارات التعامل مع المواقف الضاغطة لم تنم لديه بعد بشكل مناسب، كما أنه لا يتحدث عما تعرض له كونه غير قادر على التعبير بشكل صحيح عما أصابه، وهو
أمر
يتطلب العمل على مساعدة الطفل على مواجهة مثل هذه الصدمات إن أمكن في البداية وقبل أن تؤدي إلى ظهور الاضطرابات لديه وذلك بعرضه على المختصين لطلب المساعدة النفسية.

أطفال سوريا مصابون بصدمات نفسية مروعة

أفادت منظمة
خيرية بريطانية لرعاية الأطفال في تقرير صادر عنها أن أطفال سوريا يعانون من صدمات
نفسية مروعة بسبب الفظائع في بلادهم وما تعرضوا له من تعذيب وسجن واختطاف، وقالت
“أنقذوا الأطفال” وذلك بعد أن جمعت شهادات مروعة من اللاجئين السوريين في مخيمات
خارج سوريا “كشفت عن أن الأطفال تعرضوا للقتل والتعذيب وشهدوا أيضاً مقتل آبائهم وأمهاتهم
وأشقائهم وأطفال آخرين”، وأضافت أنها وثّقت شهادات من أطفال سوريين عن الانتهاكات
التي تعرضوا لها بعد اندلاع الأزمة في بلادهم.

آليات التعامل مع الأطفالفي ظل الأزمة السورية

كيف نساعد الأطفال
اللذين يعيشون الأحداث السورية ويتأثرون
بها ؟

هناك مجموعة من
الاعتبارات والسلوكيات يجب على الأهل أخذها بعين الاعتبار عند التعامل مع الطفل ت
قدم مساندة نفسية ناجحة أهمها:

ملاحظة سلوك الطفل الطارئ

يتم ذلك عبر متابعة
الأهل لسلوك الطفل، وهي أول خطوة مهمة في عملية الدعم النفسي، فإن طرأ على الطفل سلوك
غريب لم يتعودوا عليه فيجب أخده بعين الاعتبار وتفهمه وعرض الأهل تلك الملاحظات على
الاختصاصيين.

“تقول إم محمد التي تعيش في حمص القديمة
لوكالة الصحافة الفرنسية أن أحفادها الذين يبلغ عمر أكبرهم تسع سنوات يستيقظون
أحياناً ليلاً وهم يبكون، يشعرون بالخوف والقلق والتوتر المستمر، أما عمار طفل في
العاشرة من عمره يقطن في قلب مدينة دمشق. وبسبب سماعه أصوات المدافع بشكل متقطّع
يتعرض كل ليله لنوبة ذعر تجعله يرتجف من الخوف خلال نومه”، حال هؤلاء الأطفال
كحال الكثيرين من أطفال سورية يعانون اضطرا
بات نفسية مختلفة

يمكن مساعدة
هؤلاء الأطفال من خلال:

توفير أجواء الأمان لهم وإعادة ترسيخ الشعور بالأمن والحماية
من خلال تأمينهم بمكان آمن بعيداً قدر الإمكان عن مكان الخطر وتهدئتهم وطمأنتهم.

تشجيعهم على مواصلة الأنشطة الاعتيادية اليومية وخلق البدائل
لها إن لم يتمكن من ممارستها.

مساعدتهم في فهم انطباعاتهم وردود أفعالهم تجاه المواقف والخبرات
الصادمة.

التحدث مع الطفل عن الأوضاع التي تخيفه.

توجيه انتباه الطفل الخائف إلى الأطفال الآخرين الذين يتعاملون
مع أحداث الصدمة بدون خوف من خلال سرد قصص عن الأطفال في أوضاع متشابهة وكيف تمّ التغلب
على خوفهم.

إشراك الطفل في أنشطة بدنية وألعاب وأغاني وتأليف قصص وورشات
رسم من أجل توفير مجال للتخفيف من حدة التوتر والضغط النفسي لديهم.

تكليف الطفل بأعمال ومهام صغيرة لتقوية إحساسه بالكفاءة والثقة
بالنفس.

الطفل بحاجة للشعور بحب وحنان من حوله وخاصة المقربين
منه وأي محاولة لعلاج المشكلة بشكل ظاهري دون الجوهر سيكون مصيرها الفشل وزيادة حالة
الطفل سوءاً، فالعلاج الفعال للخروج بالطفل من هذه الحالة منحه الحب والأمان بأمانة
وسخاء والحرص على التواصل معه والاستماع لهواجسه، وتجدر بنا الإشارة إلى أن ردود فعل
الكبار ومدى تماسكهم عموماً يؤثر على الأطفال بشدة هذا من جهة، وانشغال الأهل بآلامهم
عن الأطفال الذين يكونون فيه بأمس الحاجة للشعور بوجود من يحبهم ويعطف عليهم ويهتم
بهم يؤثر تأثيراً كبيراً على الأطفال من ناحية ثانية.

الحوار

على الأهل إتاحة الفرصة للطفل للتحدث عن مشاكله واحتياجاته
وهذا بدوره يخفف من معاناته، لذلك يجب عدم ترك الطفل يغوص في أحزانه وحيداً، وتشجيع
الطفل بالتحدث عن تجاربه فور وبعد حصولها خاصة إذا لاحظ الأهل أنه ينطوي على نفسه على
غير عادته، مع ملاحظة عدم إرغام الطفل على التحدث عما يزعجه إذا كان رافضاً الحديث،
وفي تلك الأثناء علينا تشجيعه على أن يعبر بالرسم أو وصف ما حدث من خلال دور يقوم به
عادة أثناء اللعب.

أحياناً لا يكفي الاستماع إلى الطفل وطمأنته، من المهم
جداً أن نعطيه الفرصة للإفصاح عن شعوره بالألم والحزن والغضب، وعلينا أيضاً أن لا ندعه
يحس بالخجل إذا أظهر حزنه او خوفه، فالحزن
والخوف ليسا دليلاً على الضعف.

التعامل مع نوبات الغضب

“رامي
صبي بالخامسة من عمره كان مع والدته بسوق في درعا البلد عندما حدثت اشتباكات
أجبرتهما على الاختباء ست ساعات متواصلة في ذلك المكان، ليشهد الطفل سقوط قتيلين
أمام عينيه قنصاً بالرصاص، ومنذ تلك الحادثة أص
بح رامي عدوانياً وعنيفاً على غير عادته”.

كثير ما يخاف الأطفال
إرشادات الكبار وكثيراً أيضاً ما يتصرفون بعدوانية زائدة، لانعدام فرص التعبير عن أنفسهم
بأشكال أخرى، فالأطفال في أمس الحاجة إلى الفعاليات والنشاطات التي تشكل متنفساً لطاقاتهم
وتشعرهم بأنهم قادرون على الحكم وقيادة أنفسهم وقادرون على السيطرة على محيطهم
وخاصة في ظل الأزمات والحروب، وأحياناً يفضل أن نترك الطفل يعبر عن مشاعر الغضب دون
أن ندعه يحس أنه يقترف ذنباً يستدعي الخجل أو الندم ويمكن بعدها التحدث معه حول سبب
هذا الغضب.

إفهام الأطفال بأنّه لا ضير من أن يشعروا بالغضب، ولكن عليهم
أن يتعلّموا كيف ينفّسون عن غضبهم بطريقة مقبولة مثلاً من خلال ممارسة التمارين الرياضية،
وركل الكرة، والاستماع إلى الموسيقى، والتعبير عن المشاعر عبر كتابة قصّة أو نظم قصيدة،
أو الرسم، وتخصيص وقتاً يومياً للتعبير عن الغضب في بيئة سالمة وآمنة.

الاستعانة بالفن، والدراما، والموسيقى، واللعب كوسائل لتعليم
الأطفال المهارات الاجتماعية، إذا سمحنا للأطفال باستعمال الدمى، فسيتمكّنون من تأليف
مشاهدهم التمثيلية الخاصة التي تعبّر عمّا يرغبون فيه، وكيفية تحقيق حاجاتهم، هذه العملية
تسهّل على الأطفال التفاعل مع بعضهم البعض، والتعبير عن مشاعرهم بواسطة الدمى. كذلك
يستطيع الأطفال الاستعانة بالموسيقى ليؤلّفوا الأغاني معاً عن مختلف المواضيع التي
يناقشونها. أمّا اللعب فيُعتَبَر البيئة الطبيعية التي يتعلّم فيها الطفل عن المهارات
والتفاعلات الاجتماعية.

التعامل مع انزواء الطفل

“مايا
طفلة في العاشرة من عمرها تعيش مع والديها في مدرسة بدمشق مع عائلات نزحت من المناطق
المتوترة،
فقدت أخاها الأصغر منها بسنتين بطريقة بشعة
فقد قتل ولفظ أنفاسه أمامها جراء القصف الذي هدم منزلهم، كانت علاقتها به متينة جداً
ولعبت فيها دور الأم الصغيرة التي تقوم برعايته والاهتمام بشؤونه، إن صدمة مقتله كانت
عنيفة بحيث لم تتمكن الطفلة من استيعابها، لذلك نجد مايا على خلاف بقية أقرانها شديدة
الانطواء على نفسها وسريعة البكاء” حال مايا كحال الكثير من أطفال سورية، وفي
هذه الحالات يمكننا مساعدتهم من خلال
حث الطفل المنطوي على نفسه على المشاركة في نشاطات مختلفة وتدريبه كما ندرب
الصغير على المشي، لكن علينا ألّا نفاجأ من وتيرة التحسن في حالة الطفل، وأن لا ننسى
أن الطفل له رغبته في التعاون معنا إلا أنه
قدلا يستطيع تنفيذ هذه الرغبة
لذلك علينا إتباع الطرق التالية:

– أن نحكي للطفل
حكايات الحيوانات الخجولة والتي تسترجع ثقتها بنفسها تدريجيا.ً

أن نوفر للطفل فرص النجاح في
علاقته ولعبه مع الأطفال الآخرين، بحيث يبدي الجميع سرورهم وفرحتهم لنجاحه.

أن نطلب منه القيام بتمثيل دور
شخصية خرافية تكون منطوية على نفسها، وخائفة في البداية ومن ثم تتحول إلى شخصية جريئة
وشجاعة ومشاركة.

“لكن
ق
بل كل شيء علينا إبعاد الأطفال
عن مناطق الخطر ومصادره ما أمكن، وعدم تعريضهم لرؤية الجثث أو الجرحى، والحد من مشاهدة
صور القتل اليومية في وسائل الإعلام، والعمل على تعزيز ثقتهم بأنفسهم وشغلهم بأنشطة
وأفكار تبعدهم عن سبب الصدمة”.

من المؤكد أن أطفال سورية يدفعون
ثمن أفعال الكبار في هذه الحرب التي سيشعر الجميع بعد أن تحط أوزارها بفداحة
خسائرها البشرية والمادية وأهمها “الأطفال” والندوب العميقة على جيل
الأطفال الذين عصفت بطفولتهم الحرب، ولم تنفع توسلاتهم وصلواتهم لإبعاد الأذى عنهم
ولا عن أهاليهم ومدارسهم ومساكنهم وحدائق لعبهم
.

ولأن
الآثار النفسية التي تخلفها الحروب لا تقل شأناً عن الدمار المادي الذي تحدثه، وقد
يستمر فترات ليست بالقصيرة بعد توقف العنف، ولأن المعاناة الإنسانية الحالية في
سوريا ستدخل في تشكيل شخصيات الأطفال ومستقبلهم
وجب علينا الاهتمام بحصول
أطفالنا على الدعم والمساندة النفسية والعلاج النفسي المناسب، وتوجيه الانفعالات
التي يعيشونها باتجاه إيجابي يعزز قناعتهم بأنهم قادرون على تحسين واقعهم وجعله
أفضل على المستوى الشخصي والمستوى العام، وأن البلد يحتاج لأبنائه الصغار كي يبنوه
مجدداً، فأطفال اليوم هم رجال سورية المستقبل
.

شاهد أيضاً

مسؤول في النظام السوري يعترف بمقتل وجرح 600 عنصر بمعارك السويداء

اعترف مسؤول في حكومة النظام السوري السبت، بمقتل وجرح أكثر من 600 عنصر لها خلال …

عشرات التظاهرات شمال سورية دعماً للدفاع المدني

تظاهر عشرات آلاف السوريين في شمال سورية، اليوم الجمعة، تحت شعار “روسيا تقتلنا والدفاع المدني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

thirteen − 10 =