الآن
الرئيسية / سياسة / تحليلات / أحلام بسيطة وناتج مهمل

أحلام بسيطة وناتج مهمل

ورد سعد
قامت الثورة السورية شعبية عفوية، صدحت حناجرُ روّادها بشعارات تعبّر عن رفض قديم جديد لكلّ أشكال الظلم والفساد والقهر الذي رزحت تحت نيره أعواماً طويلة، قام بها بسطاء الشعب السوري بدرجة أولى ومثقفوه بدرجة ثانية، مطالبين بحقوقٍ عظيمة لتحقيق أحلام بسيطة.
طالبوا بالحرية بعد أن تجرّعوا مرارة القهر والاضطهاد في فروع النظام الأمنية ليتمكنوا من التعبير عن آرائهم دون الاضطرار للالتفات حولهم خوفاً، طالبوا بتكافؤ الفرص ليساهم الجميع في بناء بلد كلّ السوريين، وطالبوا بمكافحة الفساد والهدر لتحسين مستواهم المعيشي بعد أن عانوا من فساد النظام ومؤسساته، فذاقوا مرارة الفقر والعوز.
لم يطالب الشعب السوري بمدينة أفلاطون الفاضلة، ولم يحلموا بالمناصب الرّنّانة أو بامتطاء  مواكب الرئاسة المهيبة، لكنهم وبعد مرور ثلاثة أعوام على ثورتهم التي قدّموا خلالها مئات الآلاف من الشهداء، وللأسف صدموا بأن الذين تسلقوا على أكتاف الثورة من سياسيين وقادة “ثوريين” ورجال دين أحالوا الثورة إلى حصان طروادة الذي أدخلهم أروقة السفارات الأجنبية وأسكنهم فنادق الغرب الفارهة.
لم يكن الحالمون بالحرية يظنون أن الثورة ستنتج مفرزات غريبة عنهم، تعادل النظام في مساوئه بل وتزيد عنه أحياناً.
وأما المنتجات الطارئة على الثورة فتبدأ من مثقفين ببدلات رسمية أنيقة يرتادون أفخم الفنادق، ويجرون اللقاءات مع كبريات وكالات الأنباء العالمية، يتحدّثون من غرفهم المترفة عن تشرّد أبناء الشعب السوري، يبكون الفقر والجوع الذي يعانيه اللاجئون فيما تنتظرهم خلف كاميرا التصوير موائد عامرة، يستثيرون العواطف لجمع المساعدات لأنهم ملوا إقامة الفنادق، ويرغبون في شراء قصورهم الخاصة في أجمل العواصم الأوروبية، ولا بأس هنا بقليل من الدموع للتأثير أكثر على مشاعر المشاهد، وكل ذلك باسم الشعب السوري، فهم يعتبرون أنفسهم أولياء أمره وكلٌ يعتبر نفسه الممثلَ الوحيد له.
أما المنتج الثاني فغلافه الخارجي بدلات عسكرية لنسبة لابأس بها من الثوار، ينشرون صورهم وفيديوهاتهم الهوليودية وهم يطلقون النار باتجاه النظام، ويفوتهم أثناء مونتاج البيان إدخال أصوات الأعيرة في الطرف الآخر لإقناع المشاهد أكثر، يزفون الشهداء لأهلهم ، ثم ينشرون البيان بتوقف العمل في تلك المعركة بحجة نفاد الذخيرة، طبعاً بعد استيفاء ثمن المعركة ودماء الشهداء، ثم يتلوه بيان آخر يطلب من أصدقاء الشعب السوري، أو أصدقاء جيوبهم إذا صح التعبير المزيد من الدعم والمساعدة لدحر قوات النظام، وما وادي الضيف /أو وادي الكيف بالتسمية المحلية/ إلا نقطة في بحر.
وداعش وأخواتها تعدُّ أبرزَ منتجات الثورة، وما جلبوه من أفكار تعصبية انبرى للوقوف في وجهها مؤخراً الهيئات العلمية والشرعية في سوريا، وما حمله هذا المنتج من أفكار تكفيرية وقلباً خاوياً إلا من القسوة والحقد، وأخذ مؤخّراً يرتاد هذا الكيان الغريب أناس فقراء بسطاء، دفعهم الفقر والفاقة لدخول دهاليز هذه التنظيمات، والتي تجهد لمسح عقولهم وزرعها بأفكار لم تكن يوماً جزءاً من أفكار وتطلُّعات السوريين، بالإضافة إلى أنها تضم أيضاً أصحاب السوابق، والذين يتسترون بالتّوبة، ويعملون على تقديم القرابين البشرية ليتقربوا بها زلفاً من مناصب الامارة، ولضمان عدم محاسبتهم عن سابق جرائمهم فيما بعد، وأخذوا يضطهدون الناس بحجة الاسلام، والغاية الحقيقية منها هو زرع الرعب في قلوب العامة وإرضاخهم لسلطة أعلى، بنفس الطريقة التي كان النظام الاسدي يتبعها في كم الأفواه، وهي بذلك تمثل البديل للأفرع الأمنية في المناطق الخاضعة للمعارضة.
أما الناتج المهمل فيتجسد بشعب مستضعف تأهب للفرح بالحرية فصدم بواقع مرير، ففي المناطق المحررة حصد الناس تسلط من يدعون انفسهم ثوارا، والعملية بدت وكأنها استبدال مستبد واحد بمستبدين كثر، حاله كحال القاطن في المناطق الخاضعة للنظام الذي ازداد مضطهدوه مع ولادة ما يسمّى باللجان الشعبية التي امعنت في إذلال الناس ونهبهم، وحصل على فقر مدقع نتيجة غلاء المعيشة والنقص في المواد الاساسية بعد أن دُمّرت المعامل ونُهبت، بدلاً من تحسين حاله الذي طالب فيه عندما نزل إلى الشارع متظاهراً، وهذا حال الشعب السوري الآن في كل مكان.
وهناك منتج للتجارة فقط، إنهم اللاجئون السوريون في دول الجوار، والذين فاقت أعدادهم الثلاثة ملايين ، تتباكى المعارضة الخارجية باسمهم عبر وسائل الاعلام ومواقع التواصل دون أن يكلف أحد من هؤلاء المتباكين نفسه عناء النزول عن عرشه وتقديم المساعدة لهم ولو بكلمة صادقة، بل يكتفون بطلب المساعدات لهم وبيعها في الأسواق السوداء، أو تسليمها  لأشخاص آخرين على أساس المحسوبيات ليقوم بإيصالها لمستحقيها فيقوم هو ببيعها دون علمهم لأن مقامهم أعلى من أن يتابعوا بأنفسهم عملية التوزيع.
اما عن تعامل وسائل اعلام النظام مع هؤلاء اللاجئين فهو لا يقيمهم بأكثر من خونة خرجوا للإقامة المأجورة في مخيمات خارجية أعدت مسبقاً كجزء من المؤامرة الكونية التي تشن ضد بلد المقاومة، ولا يخجل مقدمو الأخبار من إخفاء لهجة الشماتة، وهم يذيعون أنباء عمليات اغتصاب تعرضت لها بعض السوريات في مخيمات اللجوء.
وفي المحصلة، لم يظهر بعد من نتائج ثورة السوريين إلا مئات الآلاف من الشهداء من كلا الطرفين، فالدم الذي نزف كلهُ دمٌ سوريٌّ، وأكثر من مليون ونصف المليون من الجرحى والمعاقين إعاقات دائمة، وأكثر من ثلاثة ملايين لاجئ في الدول المجاورة، ومليون لاجئ داخلي، ومئات الالاف من الاطفال بلا تعليم بالإضافة إلى الآثار النفسية والاجتماعية السلبية، مئات الالاف من العمال العاطلين عن العمل، وبالتالي بقاء عائلاتهم دون معيل، اقتصاد مدمر وأطلال قرى ومدن، بنى تحتية مدمرة بالكامل/مدارس ـ مستشفيات ـ طرق ـ معامل /، هذا ما استيقظ عليه السوريون بعد ثلاثة أعوام من الثورة، كابوس حل مكان الحلم.

شاهد أيضاً

روسيا تطالب بإخراج “الخوذ البيضاء” من سوريا.. ودول غربية ترد عليها

طالبت روسيا، الدول الغربية بإخراج عناصر الدفاع المدني السوري، المعروفين باسم “الخوذ البيض” من إدلب …

صحيفة إسرائيلية: بشار الأسد احتضن تنظيم “داعش”

اعتبرت صحيفة “هارتس” الإسرائيلية، أن رئيس النظام السوري بشار الأسد، هو من احتضن تنظيم “داعش” …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × five =