الآن
الرئيسية / اقتصاد / مصرف الأسد المركزي .. ودروس في فن المضاربة

مصرف الأسد المركزي .. ودروس في فن المضاربة

خاص صدى الشام - سقراط العلو/

انتابت السوريين ـ داخل البلاد ـ حالةُ من الفرح في اليومين الفائتين وهم يراقبون الانهيار السريع في سعر  صرف الدولار مقابل الليرة السورية، حيث أصبح سعر الصرف كابوسًا يؤرق حياتهم منذ بداية أيار المنصرم، هذا الفرح ترافق مع نشوة انتصار واضحة في تصريحات حاكم مصرف سورية المركزي ورئيس الحكومة، واللذين صورهم الإعلام الموالي للنظام على أنهم الأبطال الذين أنقذوا لقمة المواطن السوري من براثن المؤامرة على الليرة قبيل حلول شهر رمضان.

أمام حالة الفرح تلك تغاضى المواطن السوري عن بعض التساؤلات الملحة حول ما حدث في شهر أيار من تقلبات حادة وغير مفسرة في سعر الصرف، كما يبدو أن الفرح أنساه أن انخفاض سعر الصرف سيبقى مجرد رقم على شاشات الصرافين، حيث أن أسعار المواد لن تتهاوى بذات الطريقة التي تهاوى بها سعر الدولار كون التجار قد دفعوا ثمن بضائعهم بسعر الدولار الأخير قبل الانخفاض وعلى المواطن كالعادة الانتظار ريثما تباع تلك البضائع ليشهد انخفاض في الأسعار، هذا إن ثُبت سعر الصرف .

لعل أهم التساؤلات التي قد تخطر ببال المواطن والمراقب لسلوك سعر الصرف خلال شهر واحد، هي إن كان مصرف النظام المركزي، يمتلك حزمة من الإجراءات المجدية كما يدعي، فلماذا لم يستخدمها منذ بداية الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، والذي بدأ في الأسبوع الأول من شهر أيار الماضي، حيث قفز الدولار خلال أيام من 500 ليرة سورية إلى 625 ليرة؟، ولماذا لم تستخدم تلك الإجراءات منذ بداية “الأزمة” ـ على حد تعبيرهم ـ ؟، ثم لماذا تدرج المركزي خلال 20 يومًا من التدخل المتواصل في السوق في تخفيضه سعر الصرف بمعدل خمس ليرات فقط يوميًا؟، ثم في اليومين الماضيين أحدث قفزات بمعدل 20 ليرة يوميًا؟، ولماذا لم تستجب السوق الموازية (السوداء) لتدخلات المركزي طوال تلك الفترة لتنهار أسعار الصرف بهذا الشكل المفاجئ خلال يومين فقط؟.

الإجابة: أن ما حدث ليس جديدًا فهي لعبة مكررة اتبعها مصرف سورية المركزي مرارًا خلال أزمته، وهو الذي اختار أن يكون مضاربًا في السوق مثله مثل باقي المضاربين .

تقوم تلك اللعبة على ترك المركزي سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية يقفز قفزات كبيرة، مستخدمًا في ذلك صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يعلم أحد من يديرها، وصرافيه المعتمدين من كبار تجار السوق السوداء، ودائمًا ما تكون تلك القفزات متزامنة مع تصعيد عسكري على الأرض كما حدث إبّان إشاعة الضربة الأمريكية في 2013، حيث قفز الدولار إلى حوالي 325 ليرة سورية، وهذه المرة كان الحدث خرق النظام للهدنة وارتكاب مجازر حلب الأخيرة، الأمر الذي يخلق حالة من الهلع لدى المواطنين والتجار تدفعهم لشراء الدولار بأي سعر خوفًا من الانهيار الكلي لليرة.
ويساعد في ذلك، الحملات الإعلامية التي تقودها وسائل الإعلام وبخاصة المعارضة منها، والتي تعتبر ارتفاع سعر صرف الدولار ليرة واحدة مؤشرًا لانهيار النظام اقتصاديًأ، يستغل المركزي تلك الحالة ويضخ كميات كبيرة من الدولار في السوق السوداء عبر صرافيه حيث تباع بأعلى سعر ممكن، ثم وبعد نفاد تلك الكميات يعلن المركزي عن نيته التدخل في سعر الصرف، وبدء بيع الدولار عبر شركات الصرافة وهو إعلان وهمي، لتعود ذات الصفحات وتعلن أن أسعار الدولار بدأت بالانخفاض بشكل سريع، وطبعًا يستجيب تجار المركزي في السوق السوداء ويخفضون سعر الصرف وبمعدلات كبيرة، تخلق حالة هلع جماعية من الخسارة تدفع من اشترى الدولار لمحاولة بيعه بأي سعر بغية وقف الخسارة، وبذلك يستعيد المركزي ما ضخه من دولارات في السوق وتُضاف إليها أرباح بالمليارات نتيجة الفروق الكبيرة في سعر الصرف، يتم منها تمويل الرواتب ومصروفات النظام .

ولعل ما حدث في اليوميين الماضيين يعتبر أوضح دليل على تلك اللعبة، فبعد أن وصل الدولار لـ625 ليرة في الأيام الأول من شهر أيار، لم يتدخل المركزي حتى يوم 11/05/2016، حيث أعلن عن نيته زيادة المعروض من القطع الأجنبي وتلبية متطلبات السوق (أفرادًا و تجارًا) وبسقوف مفتوحة، وبالفعل بدأ ببيع مليون دولار يوميًا حسب زعمه لشركات الصرافة التي تقوم بدورها ببيعها للمواطنين والتجار، واستمر على تلك الحالة مدة 18 يومًا في كل يوم يخفض سعر التدخل بمقدار خمس ليرات حتى وصل سعر المركزي إلى 545 ليرة للدولار، وطوال تلك الفترة لم تستجب السوق السوداء لتدخل المركزي بقوة، حيث بقي دولار السوداء يقاوم عند حدود 595 ليرة للدولار، وهذا التدرج من قبل المركزي والممانعة من السوداء، يمثلان مهلة كي يتمكن صرافو المركزي من بيع الدولار عند أعلى سعر ممكن.
ثم وبشكل مفاجئ منذ يومين خفض المركزي سعر تدخله 25 ليرة ليصل الدولار 520 ليرة، وفي اليوم التالي 20 ليرة لينخفض الدولار إلى 507 ولتنهار بشكل مفاجئ السوق السوداء في يوم واحد، حيث هوى الدولار من 540 إلى 410 أي بفارق 100 ليرة تقريبًا عن دولار المركزي، الأمر الذي خلق بطبيعة الحال حالة من البيع الجماعي للدولار في السوق لوقف الخسائر، وبذلك يكون المركزي نجح بشكل باهر في تطبيق خطته، ولم تقتصر اللعبة هذه المرة على الدولار فقط بل شملت سوق الذهب أيضًا، حيث انخفض غرام الذهب في يومين فقط 3300ليرة سورية من 19300 إلى 16000 لعيار 21، وهو انخفاض لم تشهده في تاريخها سوق الذهب السورية، وما زاد من خسائر من اشترى الذهب كملاذ آمن هو قرار جمعية الصاغة مع بداية ارتفاع أسعار الدولار بمنع الصياغ من بيع ذهب الكسر للمواطنين كونه معفيٌ من رسم الصياغة عند إعادة بيعه .

ولتكتمل فصول المسرحية قام الأمن الجنائي بالتزامن مع تدخل المركزي باعتقال بعض صغار الصرافين في السوق السوداء كعادته في كل تدخل ليكونوا كبش فداء لمضاربات المركزي.

أما عن دافع المركزي هذه المرة واختياره هذا التوقيت بالذات، فالإجابة تكمن فيما أعلنته وسائل الإعلام الموالية للنظام عن أن الحكومة تدرس حاليًا أسس وتوجّهات إعداد موازنة 2017، وإيراداتها المالية واعتماداتها الجارية والاستثمارية، لعرضها على السلطتين التنفيذية والتشريعية ضمن مدة زمنية أقصاها 5 تموز 2016.

ففي ظل انعدام موارد الدولة وموازنات تضخمية تمول بالعجز عن طريق استدانة الحكومة من المصرف المركزي، لابد للأخير من تأمين الأموال المطلوبة للحكومة، وليس هناك أسهل من نهب مدخرات المواطنين والتلاعب بقوتهم

شاهد أيضاً

طلاس في “قبر مؤقت” بانتظار إعادة جثمانه إلى سوريا

توفي وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، يوم أمس في باريس، عن عمر 85 عاماً، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *